شكيب أرسلان
269
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وقد روى محمد بن سعد بن منيع صاحب « الطبقات الكبرى » غزوة الطائف كما يلي : ثم غزوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الطائف في شوال سنة ثمان من مهاجره . قالوا : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حنين يريد الطائف ، وقدّم خالد بن الوليد على مقدمته ، وقد كانت ثقيف رمّوا حصنهم ، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة ، فلمّا انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم ، وأغلقوه عليهم ، وتهيّؤا للقتال ، وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزل قريبا من حصن الطائف ، وعسكر هناك ، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا ، كأنّه رجل « 1 » جراد ، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ، وقتل منهم اثنا عشر رجلا ، فيهم عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة ، وسعيد بن العاص ، ورمي عبد اللّه بن أبي بكر الصديق يومئذ فاندمل الجرح ، ثم انتقض به بعد ذلك فمات منه ، فارتفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم ، وكان معه من نسائه أمّ سلمة وزينب ، فضرب لهما قبتين ، وكان يصلّي بين القبتين حصار الطائف كلّه ، فحاصرهم ثمانية عشر يوما ، ونصب عليهم المنجنيق ، ونثر الحسك « 2 » سقبين « 3 » . من عبدان حول الحصن فرمتهم ثقيف بالنبل ، فقتل منهم رجال ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقطع أعنابهم وتحريقها ، فقطع المسلمون قطعا ذريعا ، ثم سألوه أن يدعها للّه وللرحم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فإنّي أدعها للّه وللرّحم » ، ونادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ » فخرج منهم بضعة عشر رجلا ، منهم ، أبو بكرة ، نزل في بكرة ، فقيل : أبو بكرة ، فأعتقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل
--> ( 1 ) [ القطعة العظيمة ] . ( 2 ) آلة من الحديد ، وأحيانا من الخشب ، تلقى حول العسكر لتنشب في رجل من يدوسها ، وهي أشبه بما يقال له اليوم : الأسلاك الشائكة . ( 3 ) السقب بفتح فسكون : الطويل من كلّ شيء ، وكلّ شيء تمّ وامتلأ فهو سقب ، والغصن الغليظ الريان سقب انتهى . والحاشيتان للمؤلف .